
أكد الدكتور أحمد جلال، عميد المعهد العالي للتعاون الزراعي وعميد كلية الزراعة بجامعة عين شمس سابقا، أن صناعة الدواجن تمثل أحد المحاور الرئيسية لتحقيق الأمن الغذائي، مشيرًا إلى أن القطاع يعد من أهم مصادر توفير البروتين الحيواني، ليس في مصر فقط وإنما على المستوى العالمي.
وأوضح جلال، خلال لقائه عبر شاشة فضائية النيل للأخبار، أن صناعة الدواجن في مصر بدأت تتحول من التربية التقليدية والريفية إلى الصناعة المنظمة منذ عام 1960، عقب صدور قرار جمهوري بإنشاء الشركة المتحدة للإنتاج الداجني، التي كانت من أكبر شركات الإنتاج الداجني في أفريقيا والشرق الأوسط. وأشار إلى أن الصناعة شهدت منذ ذلك الحين مراحل متعاقبة من الصعود والهبوط وفقًا للتغيرات الاقتصادية والسياسية والعالمية.
وأكد أن المشكلة الأكبر التي تواجه صناعة الدواجن حاليًا تتمثل في الأعلاف، موضحًا أن الدواجن من الحيوانات وحيدة المعدة ولا تستطيع الاستفادة من المخلفات والمواد الخشنة مثل الحيوانات المجترة، وبالتالي تحتاج إلى أعلاف مركزة تعتمد بصورة أساسية على الذرة الصفراء وفول الصويا.
وأشار إلى أن مصر تحتاج إلى نحو 14 مليون طن من الذرة الصفراء سنويًا، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي نحو 4 ملايين طن، بما يعني وجود فجوة كبيرة في الاحتياجات، بينما لا يغطي الإنتاج المحلي من فول الصويا سوى نسبة محدودة للغاية من الاحتياجات، وهو ما يجعل مصر تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.
إنتاج الدواجن
وأوضح أن الأعلاف تمثل ما بين 70 و75% من تكلفة إنتاج الدواجن، وبالتالي فإن أي تغير في أسعار الذرة أو الصويا أو أسعار الصرف أو حركة التجارة العالمية ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة الإنتاج وأسعار الدواجن للمستهلك.
ولفت إلى أن الأزمات العالمية، ومنها الحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات حركة التجارة والممرات الملاحية، تؤثر بصورة مباشرة على صناعة الدواجن المصرية من خلال ارتفاع تكاليف سلاسل الإمداد، إلى جانب تأثير عدم استقرار سعر الصرف على أسعار مدخلات الإنتاج.
وأشار جلال إلى أن صناعة الدواجن تتميز بتذبذب الأسعار بصورة واضحة، حيث يمكن أن ترتفع الأسعار أو تنخفض بصورة سريعة، وهو ما يضع المنتجين أمام صعوبة كبيرة في التخطيط والاستمرار، خاصة صغار المربين.
وأكد أن جزءًا أساسيًا من حل أزمة الصناعة يكمن في التحول من بيع الدواجن حية إلى تسويقها مذبوحة، سواء مبردة أو مجمدة، موضحًا أن هذا التحول يمكن أن يسهم في حل نسبة كبيرة من مشكلات القطاع، بما فيها التذبذب السعري وتحسين جودة وسلامة المنتجات.
وفيما يتعلق باللقاحات والأدوية البيطرية، أوضح أن أكثر من 90% من اللقاحات والأدوية البيطرية المستخدمة في القطاع تعتمد على الاستيراد، مؤكدًا ضرورة العمل على توطين هذه الصناعة داخل مصر، وجذب الشركات الدولية لإنشاء مراكز إنتاج محلية، بما يقلل تكاليف النقل والدعم اللوجيستي ويعزز قدرة القطاع على مواجهة الأزمات الخارجية.
وأكد أهمية تطبيق مفهوم الأمن الحيوي داخل المزارع، مشيرًا إلى أن نسبة كبيرة من المزارع المصرية لا تزال تعمل بالنظم التقليدية، وأن هذه المزارع تكون أكثر تأثرًا بالأمراض والتغيرات المناخية. ودعا إلى الانتقال تدريجيًا من المزارع التقليدية إلى المزارع شبه المغلقة، ثم المغلقة، وصولًا إلى المزارع الذكية.
المزارع الذكية
وأوضح أن المزارع الذكية قد تبدو مرتفعة التكلفة عند إنشائها، لكنها تحقق وفرًا كبيرًا على المدى الطويل، خاصة مع تقليل التدخل البشري واستخدام الأنظمة الآلية والروبوتات في عمليات التربية والإنتاج.
وفي ملف الأعلاف، شدد جلال على ضرورة التوسع في زراعة الذرة الصفراء محليًا، لكنه أكد أن ذلك يتطلب تطبيق نظام الزراعة التعاقدية، بحيث يعرف المزارع مسبقًا الجهة التي ستشتري محصوله والسعر الذي سيحصل عليه، بما يشجعه على التوسع في زراعة المحاصيل اللازمة لصناعة الأعلاف.
وأشار إلى ضرورة توفير المجففات والصوامع اللازمة لتخزين الذرة، موضحًا أن نسبة الرطوبة المرتفعة في الذرة بعد الحصاد قد تؤدي إلى نمو السموم الفطرية، ولذلك يجب خفض نسبة الرطوبة إلى مستويات آمنة قبل التخزين، مع توفير منظومة متكاملة للتجفيف والتخزين والتصنيع.
وأكد أهمية إعادة تفعيل دور التعاونيات الزراعية، موضحًا أن تجارب دول مثل فرنسا والصين وإيطاليا والولايات المتحدة أثبتت أهمية التعاونيات في تنظيم الإنتاج وتحقيق أفضل استفادة ممكنة من الموارد الزراعية.
ودعا جلال إلى تغيير ثقافة استهلاك الدواجن في مصر، والانتقال تدريجيًا من شراء الدواجن الحية إلى الدواجن المذبوحة والمبردة أو المجمدة، مؤكدًا أن هذا النظام يرفع مستوى الأمان الحيوي ويقلل التلوث، كما يحمي صغار المربين من استغلال الوسطاء والسماسرة.
وأوضح أن الدواجن المذبوحة تحت إشراف بيطري تكون أكثر أمانًا من الناحية الصحية، بينما قد تكون الدواجن المباعة حية في الأسواق الشعبية عرضة لمستويات أعلى من التلوث الميكروبي، إلى جانب عدم ضمان ظروف الذبح والتداول.
وأشار إلى أن تسويق الدواجن مذبوحة ومبردة أو مجمدة يتيح للمربي ضمان بيع إنتاجه في موعد محدد، ويقلل من الضغوط التي يتعرض لها نتيجة اضطراره إلى بيع الطيور بسرعة بسبب تكاليف الأعلاف والأدوية والالتزامات المالية.
وفيما يتعلق بالمضادات الحيوية، أكد أهمية تعزيز الأمن الحيوي واستخدام البدائل الطبيعية التي تساعد على رفع المناعة، مشيرًا إلى اتجاهات عالمية للحد من استخدام المضادات الحيوية في إنتاج الدواجن، مع الاعتماد بصورة أكبر على الوقاية وتحسين ظروف التربية.
وأكد أن التحول إلى المزارع الذكية لا يمكن أن يتم دفعة واحدة، وإنما يجب أن يتم بصورة تدريجية، مقترحًا البدء بتحويل المزارع المفتوحة إلى نظم شبه مغلقة، ثم مغلقة، وصولًا إلى المزارع الذكية، مشيرًا إلى أن تحقيق معدل تحول قدره 5% سنويًا يمكن أن يقود إلى تغيير كبير في القطاع خلال 20 عامًا.
تقنيات الري الذكي
وفيما يتعلق بمحدودية المياه، أوضح جلال أن استخدام تقنيات الري الذكي يمكن أن يحقق وفرًا في استهلاك المياه يصل إلى نحو 40%، بما يسمح بزراعة مساحات أكبر بالموارد المائية نفسها. وأكد أن التحدي الأساسي أمام صغار المزارعين يتمثل في ارتفاع تكلفة هذه التقنيات، وهو ما يستدعي شراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمزارعين، بحيث تتولى الدولة وضع التشريعات والتنظيم، ويوفر القطاع الخاص التمويل والتكنولوجيا، بينما يقوم المزارع بدوره في عملية الإنتاج.
وفي ملف البيض، أكد جلال أن التصدير يمثل ضرورة للقطاع، لكن بعد ضمان تلبية احتياجات السوق المحلية أولًا، ثم توجيه الفائض إلى الأسواق الخارجية. وأشار إلى أن استهلاك مصر من البيض يتراوح بين 14 و16 مليار بيضة سنويًا، بما يجعل تأثير أي كميات محدودة من الواردات على السوق المحلية محدودًا للغاية، رغم إمكانية أن يكون لها تأثير إعلامي أو نفسي على السوق.
